ابن عجيبة
195
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الثاني : كشف الحجب ، وإزالة الموانع عن ناظر القلب ، حتى يرى جمال الحق وكماله ، والجمال محبوب بالطبع ، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية - رضى اللّه عنها - : أحبّك حبّين : حبّ الهوى * وحبّا لأنك أهل لذاك فأمّا الذي هو حبّ الهوى * فشغلى بذكرك عمّن سواك وأمّا الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاك وإنما خصّصت الحبّ الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول ، وإن كان أهلا للجميع ؛ لأن هذا منه إليه ، لا كسب للعبد فيه ، والآخر فيه كسب ، وعمل العبد معلول ، وقولها : ( فشغلى بذكرك عمن سواك ) من باب التعبير بالمسبب عن السبب ، والأصل : فثمرته شغلى بذكرك عمن سواك ، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا ، وقولها أيضا ( كشفك للحجب حتى أراك ) ، من باب التعبير بالسبب عن المسبب ، والأصل ، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعيني قلبي . وقولها : ( فلا الحمد . . . ) إلخ ، إخبار منها بأن الحبّين معا منه وإليه وبه في الحقيقة ، لا كسب لها في واحد منهما باعتبار الحقيقة ، بل هو الحامد والمحمود ، وإدراك التفاوت بين المقامين ، - أعنى بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان ، والناشئة عن شهود الجمال - ضروري عند كل ذائق ، وأن الثانية أقوى . قاله في شرح الشريشية « 1 » . قال ابن جزىّ : اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين ؛ أحدهما : المحبة العامة ، التي لا يخلو منها كل مؤمن ، وهي واجبة ، والأخرى : المحبة الخاصة التي ينفرد بها العلماء الربّانيون والأولياء والأصفياء ، وهي أعلى المقامات ، وغاية المطلوبات ، فإنّ سائر مقامات الصالحين : كالخوف والرجاء والتوكل ، وغير ذلك ، مبنية على حظوظ النفس ، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه ، والراجي إنما يرجو منفعة نفسه ، بخلاف المحبة ، فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة . واعلم أن سبب محبة اللّه : معرفته ، فتقوى المحبة على قدر المعرفة ، وتضعف على قدر ضعف المعرفة ، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا ، ولا شك أنهما اجتمعا في حق اللّه تعالى على غاية الكمال ؛
--> ( 1 ) الشريشية للشيخ أحمد بن محمد البكري الشريشى ، وشارحها أحمد بن يوسف الفاسي .